حبيب الله الهاشمي الخوئي
254
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
البارّ وهو قوله ( وأيم اللَّه ما كان قوم قطَّ في غضّ نعمة من عيش فزال عنهم إلَّا بذنوب اجترحوها ) على أنّ زوال النعمة الطريّة ورغيد العيش عن العباد ليس سببه إلَّا كفران النعم والذّنوب الَّتي اكتسبوها كما قال عزّ من قائل : * ( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) * ، وذلك لأنهم لو استحقّوا مع الكفران واكتساب الآثام لإفاضة النعماء لكان منعهم منها منعا للمستحقّ المستعدّ وذلك عين الظلم وهو محال على اللَّه سبحانه ( لأنّ اللَّه ليس بظلَّام للعبيد ) فعلم من ذلك أنّ سبب زوال النعمة وحصول النقمة ليس إلَّا الذّنوب المكتسبة هذا . ولا يخفى عليك أنّ هذا الكلام منه عليه السّلام محمول على الغالب وإن كان ظاهره العموم ، وذلك لأنّ كثيرا من العباد يبدّل اللَّه نعمتهم بالنقمة ورخائهم بالشدّة ومنحتهم بالمحنة من باب الابتلاء والامتحان إعلاء للدّرجات وإحباطا للسّيئات وإضعافا للحسنات كما قال عزّ من قائل : * ( « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ » ) * الآية . ولمّا نبّه على أنّ علَّة زوال النعمة ونزول النقمة اكتساب المعصية أرشدهم إلى طريق تداركها بقوله ( ولو أنّ الناس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النعم فزعوا إلى ربّهم ) وتضرّعوا إليه سبحانه ( بصدق من نيّاتهم ) أي باخلاصها وإخلائها من شوب العجب والرّيا ( ووله من قلوبهم ) أي بتحيّر منها في محبّته سبحانه ولذّة مناجاته وتفريغ ساحتها عن كلّ ما سواه تعالى ( لردّ عليهم كلّ شارد ) من النعم ( وأصلح لهم كلّ فاسد ) من الأمور . ثمّ تخلص إلى تعريض المخاطبين بالإشارة إلى بعض حالاتهم الغير المحمودة التي كانوا عليها حثا لهم على الارتداع عنها فقال : ( وإنّى لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة ) أي في حالة فترة مثل حالة أهل الجاهليّة الَّذين كانوا على فترة من الرّسل أي أخاف عليكم أن تكونوا مثل هؤلاء في التعصّبات الباطلة بحسب الأهواء المختلفة وغلبة الجهل والضّلال على الأكثرين ( وقد كانت أمور مضت ) وهو تخليفهم للفساق وتقديم أجلاف العرب الثلاثة عليه وأتباعهم بهم .